الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

71

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

خلافه وأيضا كون الأقربية باعثة على شهرة المجاز محل تأمل وأما الباعث عليه شدة الحاجة إلى المعنى وفور الاحتياج إليه في المحاورات وهي قد يكون بالنسبة إلى غير الأقرب دونه إذ من الواضح أن مجرد القرب من الحقيقة لا يقتضي مثلا شدة الحاجة إليه فالظاهر أن نفس قرب المعنى هو الباعث على الانتقال إليه والحمل عليه بعد تعذر الحقيقة وليس ذلك إسنادا في الفهم إلى التخريجات العقلية والمناسبات الاعتبارية بل إلى فهم أهل اللسان وتبادر ذلك عندهم بعد تعذر الحقيقة حسبما ذكرناه في المناط في الأقربية الملحوظ في المقام هي التي تكون باعثة على انصراف اللفظ إليه حينئذ بمقتضى فهم العرف لا مطلق الأقربية في الجملة وهو ظاهر فمن ذلك انصراف اللفظ الدال على نفي الحقيقة بعد العلم بوجودها إلى نفي الصحة عند دوران الأمر بينه وبين نفي الكمال ومنه أيضا انصراف نفسها فيما لا تتصف بالصحة إلى نفي الآثار والفوائد المطلوبة كما في لا علم إلا ما نفع ولا كلام إلا ما أفاده ومنها أيضا انصراف التحليل والتحريم المضافين إلى الأعيان إلى تحليل المنافع المقصودة الغالبة وتحريمها فلا إجمال في شيء من ذلك وأما الثاني فلإلحاق المشكوك بالأعم الأغلب وعليه يجري الآخر في المخاطبات العرفية فلا بد حينئذ من كون الشهرة بحيث يوجب انصراف اللفظ إليه في العرف بعد قيام الصارف عن الحمل على الحقيقة فمجرد الأشهرية غير كاف بل لا بد من كونها بحيث يوجب انفهام المعنى من اللفظ عند الإطلاق وكون الشهرة والغلبة باعثة على ذلك مما لا ريب فيه بل ربما يقتضي اشتهار المجاز إلى مساواته للحقيقة أو رجحانه عليها فتكون قرينة صارفة ومعينة فكيف لا تكون معينة للحمل عليه ومرجحة له على سائر المجازات بعد وجود القرينة الصارفة عن الحقيقة وهذا أيضا ظاهر ومن ذلك حمل الألفاظ التي استعملها الشارع في المعاني الشرعية على القول بنفي صحة الحقيقة الشرعية فيها بعد قيام القرينة الصارفة عن إرادة معانيها اللغوية ودوران الأمر فيها بين إرادة المعاني الشرعية أو مجاز آخر فيحمل على الأول نظرا إلى غلبة استعمالها في كلام الشارع في المعاني المذكورة واشتهارها فيها حتى قيل بحصول النقل ومن البين أن ما عداها ليس كذلك فيقدم الحمل عليها ولا يكون اللفظ مجملا كما ذكره بعض المحققين وأنت خبير بأن الدعوى المذكورة على إطلاقها في محل المنع إذ ليس جميع الألفاظ المتداولة عندنا مما يثبت كثرة استعمال الشارع لها بحسب تحصل الظن بإرادة تلك المعاني منها بعد وجود القرينة الصارفة عن إرادة الحقيقة نعم هو ظاهر في الألفاظ المتداولة في كلامه كالصّلاة والصيام والحج والزكاة ونحوها والقول بثبوت الحقيقة الشرعية فيها لا يتعين أن يكون من جهة الشهرة والغلبة بل ظاهر المشهور خلافه كما سيجيء الكلام فيه إن شاء الله هذا ولو اجتمعت الجهتان المذكورتان أعني الشهرة والقرب إلى الحقيقة في بعض المجازات فتقديمه على الخالي عنهما واضح وكذا على الخالي عن أحدهما ولو تعارضت الجهتان بأن كان بعض المجازات مشهورا في الاستعمالات وبعضها أقرب إلى الحقيقة فربما يشكل الحال إذن في الترجيح والظاهر حينئذ مراعاة أقوى الوجهين وأقربهما إلى الفهم لاختلاف مراتب الشهرة والقرب إلى الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح ولم يكن هناك قرينة فلا بد من ملاحظة الراجح منها والأخذ بمقتضاه ومنها أنه إذا دار الأمر بين حمل اللفظ على الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح ولا يكون هناك قرينة دالة على تعيين المراد فهل يقدم الحقيقة المرجوحة أو المجاز الراجح أقوال فعن أبي حنيفة ترجيح الحقيقة وعن الشافعي ترجيح المجاز وعن جماعة من العامة والخاصة منهم الغزالي والبيضاوي والعلامة والسيد العميدي والشهيد الثاني والمصنف والفاضل الخراساني والفاضل الخوانساري وجماعة من المتأخرين البناء على الوقف وعدم ترجيح أحد المعنيين في الحمل إلا لقرينة دالة عليه وحكي القول به عن الشافعي أيضا حجة الأول أصالة الحمل على الحقيقة حتى يتبين المخرج ومجرد الشهرة لا يصلح صارفا عنها كيف وقد شاع تخصيص العام في الاستعمال حتى جرى قولهم ما من عام إلا وقد خص مجرى الأمثال ومع ذلك لا يستراب في حمله على العموم حتى يقوم صارف عنه وحجة الثاني أن الغلبة وشهرة الاستعمال على انصراف الإطلاق إلى المعنى الشائع وهي من أعظم الأمارات المفيدة للظن وحجة الثالث تكافؤ الظن الحاصل من الشهرة للظن الحاصل من الوضع فلا يحصل معه ظن بالمراد ومع عدمه لا يمكن الحكم بأحد الوجهين لابتناء مداليل الألفاظ وفهم المراد منها على حصول الظن إذ لا أقل منه في حصول الفهم فلا وجه لحمله على أحدهما إلا مع قيام قرينة خارجة على التعيين والتحقيق في المقام أن مراتب الغلبة مختلفة ودرجاتها متفاوتة فإن شهرة استعمال اللفظ في المعنى ورجحانه وقد يكون بحيث يوجب فهمه من اللفظ وترجيحه على سائر المجازات من غير حاجة إلى قيام قرينة معينة عليه لكن بعد قيام القرينة الصارفة عن معناه الحقيقي ولا تكون تلك الغلبة بالغة إلى حيث تكافأ الظن الحاصل منها الظن المتفرع على الوضع فلا ريب إذن في ترجيح الحمل على الحقيقة مع إطلاق اللفظ وقد يكون غلبة استعماله فيه فوق ذلك بأن يكون الظن الحاصل من ملاحظة الشهرة مكافئا لظن الحقيقة ولا ريب إذن في الوقف وعدم جواز حمله على أحدهما من دون قرينة دالة عليه وقد يكون الغلبة فوق ذلك أيضا فيكون اللفظ بملاحظتها ظاهرا في ذلك المعنى فيكون الظن الحاصل من الشهرة غالبا على ظن الحقيقة فتعين القول حينئذ بترجيح المجاز الراجح وقد يكون الشهرة أيضا إذن قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي معينة لحمله على ذلك فإن دلالة القرائن لا تعتبر أن تكون عليه بل يكتفي فيها بالمظنة لابتناء مداليل الألفاظ على الظنون وقيام الإجماع على حجية الظن فيها ويجري ما ذكرناه في مراتب الشهرة بالنسبة إلى سائر القرائن المنضمة إلى اللفظ فإن الظن الحاصل منها قد لا يعادل الحقيقة فلا يوجب صرف اللفظ عن الموضوع له نعم يوجب وهن الظن الحاصل منه وقد يترجح مفادها على ذلك فيعادل ظنها الظن الحاصل من الوضع فيقضى حينئذ بالوقف من الحمل على الحقيقة أو المجاز فلا يمكن الحكم بشيء منهما فهي وإن لم يوجب الحمل على المجاز إلا أنها مانعة من الحمل على الحقيقة أيضا وقد يترجح على ذلك أيضا فيقضى صرف اللفظ عن معناه الحقيقي وحمله على المجازي على اختلاف مراتبه في الظهور فليس الأمر في اللفظ دائرا بين الحمل على الحقيقة والمجاز بأنه إذا وجدت قرينة صارفة حمل على المجاز وإلا فعلى الحقيقة كما قد يتراءى من ظاهر كلماتهم بل هناك واسطة بين الأمرين وهو الوقف من الحملين لدوران الحمل مدار الفهم بحسب العرف بعد ملاحظة المقام فإذا حصل هناك مانع من الفهم من شهرة أو قيام قرينة أخرى توجب ترديد الذهن فلا دليل على لزوم الحمل على الموضوع له والحاصل أن حمله على الموضوع له أو غيره يدور مدار التفاهم بحسب العرف وأقل مراتبه الذهن